دكتور عبد العزيز الدوري
28
مقدمة في تاريخ صدر الإسلام
تشيران إلى الأسماء القبطية للرؤساء المحليين . والفرق كما ترى بعيد بين الاصطلاحين والتحريف . وفي هذه الحالة يثبت الناشر بقلة علمه ما حرّفه الناسخ بجهله . - 5 - وتجابهنا مشكلة أخرى لها صلة بهذه المشكلة ، وهي تدوين التاريخ على أسس الأسر الحاكمة . وهنا تعترضنا ناحيتان : الأولى أنّ تركيز الانتباه يكون على الأسرة نفسها ، ويندر أن يشار إلى الأمة أو إلى الشعوب المحكومة ، وبذلك يظهر التاريخ سلسلة فترات منقطعة لا ارتباط بينها . فالراشدون يمثلون التقوى والسير على الشريعة مثلا ، والأمويون اغتصبوا الخلافة وجعلوها ملكا ، والعباسيون حملوا لواء الدعوة إلى الحكم الشرعي ، فساروا على أساس الدين والقوة واستأثروا بالحكم وجاؤوا بدولة جديدة أو عصر جديد . وتعرض إدارة العباسيين مثلا مختلفة كل الاختلاف عن إدارة الأمويين . وإذا ما ذهبنا إلى التفاصيل وجدنا لكل خليفة شخصيته وميوله وأهواءه ، فهو يحكم بحسب اجتهاده أو آرائه . وبذلك لا تقتصر التجزئة على عصور الأسر ، بل تتعداها إلى أجزاء العصور أو الفترات التي يحكم فيها كل خليفة . والناحية الثانية تزيد الأمر تعقيدا ، وهي نسبة ما حصل مؤخرا إلى الأولين ، فتصور التطورات التالية كأنها كانت موجودة من البدء ، ويؤكد الانطباع الذي يعطيه الخليفة في آخر سنيه ويسجل وكأنه وجد من بدء حكمه ، وكأن الخبرة والتجارب والظروف المحلية لا أثر لها . وهكذا تؤكد الخطوط الفاصلة ، وتوسع ، ويظهر التاريخ ممزقا مقطع الأوصال . فتخفى على الباحث ملاحظة العوامل المستمرة والتيارات الخفية التي تكمن وراء الحوادث ، في حين أنّ الحوادث هي نتائج لتلك العوامل والتيارات . ففي التاريخ من عوامل الاتصال والاستمرار ما يجعل التجزئة غير ممكنة ، وما يجعل كل فترة متممة لما قبلها ونتيجة طبيعية لظروفها . فالعوامل الجغرافية من موقع ومناخ وحاصلات وثروات طبيعية ، والعناصر البشرية للسكان ، والاتجاهات الثقافية والأساطير والتقاليد والعادات والروح العامة التي تكونت على مرّ الزمن ، كلها عوامل تضمن الاستمرار وتمنع الانقطاع بأية حال من الأحوال . أمّا التبدلات السياسية التي نعدها تبدلات مفاجئة فإنها حين تفحص تظهر نتائج لتبدلات داخلية وتطورات مهمة خفية . ولنضرب مثلا للتوضيح : إنّ الدولة العباسية هي استمرار لدولة الأمويين ونتيجة لها . إننا نميز العباسيين مثلا بأنهم قربوا الموالي وأشركوهم في الحكم ، ولكن أهمية الموالي ظهرت قوية بتكاثر عددهم وبتركيز مبادئ الإسلام منذ العصر الأموي ،